المقريزي
147
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
تكون على أهل القرية يؤخذ بها أهل القرية ، فمن هلك من أهل القرية التي عليهم جزية مسماة على القرية ليست على رؤوس الرجال ، فإنا نرى أنّ من هلك من أهل القرية ممن لا ولد له ولا وارث إن أرضه ترجع إلى قريته في جملة ما عليهم من الجزية ، ومن هلك ممن جزيته على رؤوس الرجال ، ولم يدع وارثا فإن أرضه للمسلمين . وقال الليث عن عمر بن العزيز : الجزية على الرؤوس وليست على الأرضين ، يريد أهل الذمّة . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح : أن يجعل جزية موتي القبط على أحيائهم ، وهذا يدل على أنّ عمر كان يرى أنّ أرض مصر فتحت عنوة ، وأن الجزية إنما هي على القرى ، فمن مات من أهل القرى كانت تلك الجزية ثابتة عليهم وإن موت من مات منهم لا يضع عنهم من الجزية شيئا . قال : ويحتمل أن تكون مصر فتحت بصلح فذلك الصلح ثابت على من بقي منهم وإن موت من مات منهم لا يضع عنهم ممن صالحوا عليه شيئا . قال الليث : وضع عمر بن عبد العزيز الجزية على من أسلم من أهل الذمّة من أهل مصر ، وألحق في الديوان صلح من أسلم منهم في عشائر من أسلموا على يديه ، وكانت تؤخذ قبل ذلك ممن أسلم ، وأوّل من أخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمّة : الحجاج بن يوسف ، ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيز بن مروان : أن يضع الجزية على من أسلم من أهل الذمّة ، فكلمه ابن حجيرة في ذلك فقال : أعيذك بالله أيها الأمير أن تكون أوّل من سنّ ذلك بمصر ، فو اللّه إن أهل الذمّة ليتحملون جزية من ترهب منهم ، فكيف نضعها على من أسلم منهم فتركهم عند ذلك . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح : أن تضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة ، فإن اللّه تبارك وتعالى قال : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التوبة / 5 ] ، وقال : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [ التوبة / 29 ] . وكتب حيان بن شريح إلى عمر بن عبد العزيز : أما بعد : فإن الإسلام قد أضر بالجزية حتى سلفت من الحارث بن ثابتة عشرين ألف دينارا تمت بها عطاء أهل الديوان ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل ، فكتب إليه عمر : أما بعد : فقد بلغني كتابك ، وقد وليتك جند مصر ، وأنا عارف بضعفك ، وقد أمرت رسولي بضربك على رأسك عشرين سوطا ، فضع الجزية عن من أسلم قبح اللّه رأيك فإن اللّه إنما بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم هاديا ولم يبعثه جابيا ، ولعمري لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على يديه .